القاضي عبد الجبار الهمذاني
195
المغني في أبواب التوحيد والعدل
وقوله تعالى : [ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً ] « 1 » إنما يراد به النبوة ، فمن حيث دل الدليل على أن من حق النبي أن لا يقع منه كفر ولا كبيرة يجب أن لا يكون ظالما على كل حال من الأحوال . وإن أريد به الوجه الآخر فغير ممتنع أن يكون ظالما في حال ثم يصلح فيقتدى بطريقته وعلمه . وبعد فلا يمتنع أن يقع من الرسول المعصية الصغيرة التي تكون ظلما ، فلا بد من أن يقال : إنه إن أراد « 2 » بالكلام الظلم المذموم وما زال بالتوبة كالصغيرة في هذا الباب فهذا يبين فساد ما تعلقوا به من ظاهر الآية . فأما الطريقة الأخرى فقد بينا الكلام عليها في باب النبوة ، وأن ما له وجب في الرسول يكون منزها عن الكفر والكبائر كونه حجة فيما يحمله ، فإن الإمام بخلافه ، بل بمنزلة الأمير والحاكم ، وذلك يسقط ما تعلقوا به ، وسنبين عند الكلام في شرائط الإمام ما يزيل التعلق بهذه الطريقة . طريقة أخرى لهم وربما تعلقوا بشبه يوردونها في إبطال الاختيار وأن يكون طريقا « 3 » لإثبات الإمامة ، ويتوصلون بذلك إلى إثبات النص ، وذلك مما نبين الكلام فيه بعد إثبات الإمامة من جهة الاختيار وإثبات شرائطها ؛ لأن تأخيرها أقرب إلى البيان والفهم . واعلم أن أحد ما نبطل به طريقة الإمامية أن يقال لهم : إن مذهبكم في النص على الإمام يقتضي أن إمام كل زمان بمنزلة أمير المؤمنين عليّ ، في أنه لا بد من النص عليه ، من أن يظهر ظهور الحجة القاطعة ؛ لأن الإمامة من أعظم أركان الدين عندكم على ما تقدم ، فكيف السبيل إلى أن نعلم أنه عليه السلام نص على الحسن والحسين ؟ أو نص الحسن على الحسين ؟ ثم كذلك سائر الأئمة ؟
--> ( 1 ) الآية رقم 124 من سورة البقرة . ( 2 ) في الأصل ( أد ) . ( 3 ) في الأصل ( طريق ) .